1 ذو الحجة .. اسم الله ( اللطيف)

نبدأ باسم الله تبارك وتعالى دراسة اسم الله ( اللطيف ) وردة حمراء

***************

إذا نظرنا إلى هذا الكون وتأملنا في السماء وارتفاعها ونظرنا في كواكبها ونجومها فما الارض بالنسبة للكون الا كحبة رمل في صحراء او قطرة ماء في محيط تسير في مسار حول الشمس…لو تأملنا المحيطات ..لو..لو… لرأينا ان اسماء الله الحسنى ظاهرة في هذا العالم الفسيح وما دمنا نطوف حول اسم اللطيف، فدعوني أسألكم:

هل نرى في هذا الكون ما يدل على أنه لطيف؟

نعم فالهواء يحيط بنا من كل جانب ، نستنشقه ، ولو حركناه لشعرنا بوجوده ، يحمل طائرة وزنها ثلاثمائة وخمسون طناً ، منها مائة وخمسون هيكل الطائرة ، ومائة وخمسون الوقود ، وخمسون الركاب مع الحاجات ؛ فالهواء يحمل ثلاثمائة وخمسين طناً فهو إذاً شيء عجيب جداً.

وحينما تدخل المركبةُ الفضائية في الغلاف الجوي تصبح كتلةً من اللهب لاحتكاكها به ، ومع ذلك إذا كنت على سطح الأرض فالهواء لا يُرى وليس له صوت إذا كان ساكناً ، فهو موجود وكأنه غير موجود فلا يحجب الرؤية ، وترى أخاك من خلاله ، وتسمع صوته ، إذاً الهواء لطيف ، وربنا عز وجل يقول :

{ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ }

معنى اللطيف بالمعنى اللغوي:

هو الشيء الصغير الذي لا يُحس به لصِغره ، و هذا الشيء الصغير الذي لا يُحس به لصِغره يُسمى لطيفاً.:

مثال / ائتِ بين يديك جهاز راديو ، أدر مؤشره إلى إذاعة من الإذاعات، تستمع إلى نشرة الأخبار ، فالكلام أين هو ؟ إنه موجودة في الجو المحيط ، وبهذا الجهاز اللاقط التقطها ، فهل تستطيع أن ترى بعينك موجات الإذاعة ؟ لا تراها بعينك ، ولا تسمعها من دون جهاز استقبال ؟ وهل لها وزن ؟ لا ، وهل لها رائحة ؟ لا ، إذاً موجات الإرسال لطيفة ، وموجودة ، والدليل استماعك للجهاز الذي بين يديك ، فإذا أزحت عنك الجهاز فإنك لا ترى شيئاً ، ولا تسمع شيئاً ولا تشم شيئاً ، إذاً هذا الإرسال موجود ولكن بلطف.. والهواء موجود لكن بلطف..

فالهواء لطيف أي موجات الإرسال لطيفة ، بلا رائحة ولا صوت ولا حس وغير مرئية .

وإذا قلنا الله لطيف بعباده ، فالله عز وجل معك يسمع صوتك ، ويعلم ما في قلبك ، و ما في رأسك من أفكار من وطموحات ، و صراعات ، و آراء ، ومعتقدات ، و تصورات و تخيلاّت ، ويعلم ما في قلبك من هموم و متاعب وآلام و ضغوط من خوف ومن قلق ، ومع ذلك وجوده معك ليس ثقيلاً ، تصوّري لو أن إنساناً لازَمَ إنساناً .. جلس فجلس معه ، مشى فمشى معه ، دخل إلى بيته فدخل معه، أكل فأكل معه ، فإن بقي يلازمه خمسة أو ستة أيام يخرج من جلده ، ويقول له صائحاً : إليك عني ، انصرف بعيداً ، وقد رأينا أنه لم يتكلم بأية كلمة ، ولم ينتقد ، ولم يعترض ، ولم يطلب منك مطلباً ما ؛ إن ذلك الشخص بملازمته لك عبء عليك ، لكنك تعلم أن الله معك دائماً، ولكن لا تُحِس بوجوده ، فوجوده غير ثقيل عليك قال تعالى :

{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

يعني كلمة لطيف ، أن الله عز وجل من اللطف بحيث لا تراه ولا تسمعه ولكن تراه بعقلك ، وهذا أحد المعاني لكلمة لطيف ، لهذا جاء في الحديث الصحيح :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ : الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ، قَالَ : مَا الإِسْلامُ ؟ قَالَ : الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، قَالَ : مَا الإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .

المعنى الثاني :

اللطيف هو العالم بدقائق الأمور وغوامِضِهِا ،لا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت ، اي هو لطيف العلم … وعلى هذا التفسير يكون الله لطيفا بمعنى عليماً .

{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}

فالإنسان قد يفهم الأمر بشكل ظاهري لا بخباياه ، ولا بخلفياته ، ولا بتحليلاته العميقة ، ولا بالدوافع الخفية لهذا الأمر،،لكن اللطيف يعرف دوافعك الحقيقية ، وهذه المواقف الملتوية و السِرَ ، والحِكمَة ، وهو الذي يعلم دقائق الأمور ، وبواطِنها و خلفيات الأشياء ، وحقيقة كل أمرٍ ، ويعلم ما خَفِيَ على معظم الناس..

أضرب لك مثال : كنت في قاعة الاختبار وبجوارك صديقة لك …قلت لها فلانه الشمس تأتي عليك من النافذة وقد ازعجني هذا الأمر من اجلك وحزنت فلو قربتي طاولتك هنا قليلا حتى لا تأتيك الشمس ..وانت في الحقيقة مرادك ان تكون ورقة اختبارها قريبة منك ليسهل عليك النظر والاستعانة بها !!..فمن يعلم هذا الشيء ؟ الله عز وجل يعلم السر وأخفى.. فالذي يعلم بواطن الأمور ودقائقها وخفاياها ، ومؤدياتها ومضاعفاتِها وما ينجم عنها وما أساسها ، وما سِرُّها ، وما أسبابها الحقيقية هو اللطيف ..وهذا هو المعنى الثاني …

فاللطيف هو الذي يعلم كل شيء مهما دق وخفي .

فحجر في الطريق يمكن أن تكون تحته نملة صغيرة ، ولها سراديبها و قوتها و مؤونتها ..وقد تمشي عليه وانت لا تعلم كم من الكائنات تحته . وفي البحر والمحيطات كم من السمك هناك وما أنواعها ؟ إنك لا تعرف ، أما الذي يعلم كل شيء ومهما دقَّ ومهما جلَّ فهو الله عز وجل ، فاللطيف هو الذي يعلم دقائق الأشياء…

ومعناه أيضا:

وهو من أروع المعاني التي قالها الإمام الغزالي ، أن اسم اللطيف الذي يعلم دقائق الأمور وينقل عبده من حال إلى حال بلطف عجيب .
فهذا الطفل الصغير يجب أن يُغيّر أسنانه ، لأنه لو نبتت له أسنان نهائية ثابتة وفمه صغير جداً ، فمنظره بشع ، فأسنانه كبيرة والفم صغير ، ولو نبتت له الأسنان وهو يلتقم ثدي أمه فيمكن أن يؤذيها أذى مؤلماً لا تحتمله ، فهذا الطفل يكون في السنة الأولى بدون أسنان ثم أسنان لبنية ، ومن بعد ، ربنا عز وجل يُبدّل لهذا الطفل أسنانه ، فالله لطيف ، ولا يوجد طبيب في الأرض يستطيع أن ينزع سناً لطفل من دون أن يبكي ، حتى أن حقنة المخدر مؤلمة جداً ، فيبكي منها و لكن ربنا عز وجل يذيب هذا السن شيئاً فشيئاً ثم يأكله الطفل مع اللقمة ولا يشعر بشيء ، فمعنى لطيف كما قال الإمام الغزالي : ” هو من يعلم حقائق المصالح وغوامضها ثم يسلك في إيصالها إلى مستحقها سبيل الرفق دون العنف”.
ومن لطف الله بعبده أن يفتح له باباً من أبواب الخير لم يكن له على بال، وليس ذلك لقلة رغبته فيه وإنما هو غفلة منه وذهول عن ذلك الطريق فلم يشعر إلا وقد وجد في قلبه الداعي إليه والملفت إليه ففرح بذلك وعرف أنها من ألطاف سيده وطرقه التي قيض وصولها إليه فصرف لها ضميره ووجه إليها فكره وأدرك منها ما شاء الله”
فقد يذهب شاب إلى الجامع فيسمع درساً ووعظاً ، فيقول : والله إنه درس جميل ، وأريد أن أداوم عليه و يكون على عشرين أو ثلاثين معصية ، وربنا للطفه لا يذكره بها كلها ، لكن الله اللطيف يذكره بواحدة منها بين الحين والحين . هذه حرام وهذه حرام ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، لقد كنت جاهلاً ، فلعله يتركها ؟؟ ولو أعطيناه القائمة بالمعاصي كلها لترك الدين كله ، ولكن اللطيف تدرج به واحدة واحدة ، وبعد ستة أو ثمانية أشهر ، ترك هذه وهذه وهذه..فاستقام على الطاعة من حيث لا يشعر ولا نشعر ..بلطف من المولى جل في علاه ..

ولطف الله بعبده وله باب واسع ، يتفضل الله تعالى بما شاء منه على من يشاء من عباده ممن يعلمه محلا لذلك وأهلا:

  • * فمن لطفه بعباده المؤمنين أنه جل وعلا يتولاهم بلطفه فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والبدع والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة.
  • * ومن لطفه بهم أنه يقيهم طاعة أنفسهم الأمارة بالسوء فيوفقهم لنهي النفس عن الهوى ، ويصرف عنهم السوء والفحشاء مع توافر أسباب الفتنة وجواذب المعاصي والشهوات ؛ فيمنّ عليهم ببرهان لطفه ونور إيمانه فيدعونها مطمئنة لتركها نفوسهم ، منشرحة بالبعد عنها صدورهم.
  • * ومن لطفه بعباده أنه يقدر لهم أرزاقهم بعلمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتِهم؛ فقد يريدون شيئا وغيره أصلح ؛ فيقدر لهم الأصلح وأن كــرهوه لــطفاً بهم.
  • قال تعالى:} الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز{ الأية·
  • * ومن لطفه جل وعلا بهم : أنه يقدر عليهم أنواعا من المصائب وضروبا من البلايا والمحن سوقاً لهم إلى كمالهم وكمال نعيمهم.
    * ومن لطفه بعبده -سبحانه- أن يقدر له أن يتربى في ولاية أهل الصلاح والعلم والإيمان ، وبين أهل الخير ليكتسب من أدبهم وتأديبهم.وأن ينشأ كذلك بين أبوين صالحين ، وأقارب أتقياء ، وفي مجتمع صالح.
    * ومن لطفه بعبده أن يجعل رزقه حلالاً في راحة وقناعة يحصل به المقصود ولايشغله عما خلق له من العبادة والعلم والعمل به ، بل يعينه على ذلك.
    * ومن لطفه بعبده أن يقيض له إخوانا صالحين ورفقاء متقين يعينونه على الخير ويشدون من أزره في سلوكه سبيل الاستقامة والبعد عن سبل الهلاك والانحراف.
    * ومن لطفه-جل وعلا- بعبده أن يبتـليه ببعض المصائب فيوفـقه للقيام بوظيفة الصبر فيها ، فيُـنيله رفيع الدرجات وعالي الرتب .
    * ومن لطفه سبحانه بعبده أن يكرمه بأن يوجد في قلبه حلاوة روح الرجاء وانتــظار الفرج وكشف الضر؛ فيخف ألمه وتنشط نفسه.

قال ابن القيم رحمه الله ( فإن انتـــظاره ومطالعته وترقبه يخفـف حمل المشقة ولاسيما عند قوة الرجاء أوالقطع بالفرج ؛ فإنه يجد في حشو البلاء من رَوح الفرج ونسيمه وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج مُعـجل ، وبه وبغيره ُيعرف معنى اسمه اللطيف ) أ.هـ

* ومن لطف الله تعالى بعبده أن يجعل ما يبتليه به من المعاصي سبباً لرحمته فيفتح له عند وقوع ذلك باب التوبة والتضرع والابتهال إلى ربه وازدراء نفسه واحتقارها وزوال العجب والكبر من قلبه ما هو خير له من كثير من الطاعات.

* ومن لطفه بعبده الحبيب عنده إذا مالت نفسه مع شهوات النفس الضارة واسترسلت في ذلك أن ينقصها عليه ويكدرها فلا يكاد يتناول منها شيئاً إلا مقرونا بالمكدرات محشواً بالغصص لئلا يميل معها كل الميل، كما أن من لطفه به أن يلذذ له التقربات ويحلي له الطاعات ليميل إليها كل الميل.

* ومن لطيف لطف الله بعبده أن يأجره على أعمال لم يعملها بل عزم عليها فيعزم على قربة من القرب ثم تنحل عزيمته لسبب من الأسباب فلا يفعلها فيحصل له أجرها فانظر كيف لطف الله به فأوقعها في قلبه وأدارها في ضميره وقد علم تعالى أنه لا يفعلها سوقا لبره لعبده وإحسانه بكل طريق.

* وألطف من هذا أن يقدر تعالى لعبده ويبتليه بوجود أسباب المعصية ويوفر له دواعيها وهو تعالى يعلم أنه لا يفعلها ليكون تركه لتلك المعصية التي توفرت أسباب فعلها من أكبر الطاعات.
كم هو نافع بالعبد أن يعرف معنى هذا الاسم العظيم ودلالته ، ليحقـق الإيمان به ، ويقوم بما يقتضيه من عبودية لله فيملأ قلبه رجاءً وطمعاً في نيل فضل الله ، متحرياً في كل أحواله الفوز بالعواقب الحميدة ، واثقاً بربه اللطيف ومولاه الكريم بالنعم السوابغ والعطايا.
ومن يتحرّ الخير يُعطه ، ومن يتوقّ الشر يوقه. والفضل بيد الله وحــده يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم…
ربي .. كم من نعمة انعمت بها علي قل لك عندها شكري ، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك صبري فيها ،فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني ، وقل عند بلائه صبري فلم يخذلني
ارحمني واعف عني والطف بي و لي إنك اللطيف الخبير اللهم آمين

………………………..

للمزيد يمكنكـ الرجوع إلى موقع ” شوقا إليه

فكرتان اثنتان على ”1 ذو الحجة .. اسم الله ( اللطيف)

  1. تعقيب: قد لا تـــــــــــــــعود .. (عشر ذي الحجة ) « إكـــلِيلُ فَــــــــرح

  2. تعقيب: قد لا تــــــــــعود .. (عشر ذي الحجة ) « إكـــلِيلُ فَــــــــرح

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s